أحمد بن حجر الهيتمي المكي
219
الصواعق المحرقة في الرد على أهل البدع والزندقة
معاوية وإن كانت هي الباغية لكنه بغي لا فسق به لأنه إنما صدر عن تأويل يعذر به أصحابه وتأمل أنه أخبر معاوية بأنه يملك وأمره بالإحسان تجد في الحديث إشارة إلى صحة خلافته وأنها حق بعد تمامها له بنزول الحسن له عنها فإن أمره بالإحسان المترتب على الملك يدل على حقية ملكه وخلافته وصحة تصرفه ونفوذ أفعاله من حيث صحة الخلافة له من حيث التغلب لأن المتغلب فاسق معاقب لا يستحق أن يبشر ولا يؤمر بالإحسان فيما تغلب عليه بل إنما يستحق الزجر والمقت والإعلام بقبيح أفعاله وفساد أحواله فلو كان معاوية متغلبا لأشار له النبي إلى ذلك أو صرح له به فلما لم يشر له فضلا عن أن يصرح إلا بما يدل على حقية ما هو عليه علمنا أنه بعد نزول الحسن له خليفة حق وإمام صدق ويشير إلى ذلك كلام الإمام أحمد فقد أخرج البيهقي وابن عساكر عن إبراهيم بن سويد الأرمني قال قلت لأحمد ابن حنبل من الخلفاء قال أبو بكر وعمر وعثمان وعلي قلت فمعاوية قال لم يكن أحد أحق بالخلافة في زمان علي من علي فأفهم كلامه أن معاوية بعد زمان علي أي وبعد نزول الحسن له أحق الناس بالخلافة وأما ما أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف عن سعيد بن جمهان قال قلت لسفينة إن بني أمية يزعمون أن الخلافة فيهم فقال كذب بنو الزرقاء بل هم ملوك من أشر الملوك وأول الملوك معاوية فلا يتوهم منه أن لا خلافة لمعاوية لأن معناه أن خلافته وإن كانت صحيحة إلا أنه غلب عليها مشابهة الملك لأنها خرجت عن سنن خلافة الخلفاء الراشدين في كثير من الأمور فهي حقة وصحيحة من حين نزول الحسن له واجتماع الناس أهل الحل والعقد عليه وتلك من حيث إنه وقع فيها أمور ناشئة عن اجتهادات غير مطابقة للواقع لا يأثم بها المجتهد لكنها تؤخر عن درجات ذوي الاجتهادات الصحيحة المطابقة للواقع وهم الخلفاء الأربعة والحسن رضي الله عنهم فمن أطلق على ولاية معاوية أنها ملك أراد من حيث ما وقع في خلالها من تلك الاجتهادات التي ذكرناها ومن أطلق عليها أنها خلافة أراد انه بنزول الحسن له واجتماع أهل الحل والعقد عليه صار خليفة حق مطاعا يجب له من حيث الطواعية والانقياد ما يجب للخلفاء الراشدين قبله ولا يقال بنظير ذلك فيمن بعده لأن أولئك ليسوا من أهل الاجتهاد بل منهم عصاة فسقة ولا يعدون من جملة الخلفاء بوجه بل من جملة الملوك بل من أشرهم إلا عمر بن عبد العزيز فإنه ملحق بالخلفاء الراشدين وكذلك ابن الزبير وأما ما يستبيحه بعض المبتدعة من سبه ولعنه فله فيه أسوة أي أسوة بالشيخين وعثمان وأكثر الصحابة فلا يلتفت لذلك ولا يعول عليه فإنه لم يصدر إلا عن قوم حمقى جهلاء أغبياء طغام لا يبالي الله بهم في أي واد هلكوا فلعنهم الله وخذلهم أقبح اللعنة والخذلان وأقام على رؤوسهم من سيوف أهل السنة وحججهم المؤيدة بأوضح الدلائل والبرهان ما يقمعهم عن الخوض في تنقيص أولئك الأئمة الأعيان ولقد